www.addoha.ibda3.org

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى.

منتدى التربية والتعليم . الثانوية التأهيلية الضحى


    قصة قصيرة: كلها!

    شاطر

    عبد اللطيف النيلة

    عدد المساهمات : 53
    نقاط : 152
    تاريخ التسجيل : 07/05/2010

    قصة قصيرة: كلها!

    مُساهمة من طرف عبد اللطيف النيلة في الثلاثاء أغسطس 24, 2010 8:28 am

    كلها!



    منذ اللحظة التي جلس فيها إلى المكتب قبالتنا، رأيته يضع قناعا على وجهه. وعلى امتداد ساعة ونصف تقريبا، تلا على مسامعنا أوراقه حول واقع التعليب..عفوا، التعليم.. وحول الطرائق الناجعة لإصلاحه. كانت عباراته تتوالى واحدة بعد الأخرى، في خط مستقيم بلا تعرجات ولا انقطاعات، محشوة في قوالب من مثل: «مما لا شك فيه..»، «والحق أن..»، «صحيح أن..، غير أن..»، «ولئن كان..، فإن..»، و«وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن..». كنت أشرد من حين لآخر عن محتوى ما يتلى. وما فتئت كلمة «إصلاح» تتكرر من سطر لآخر، حتى أخذت أتربص بها، واخزا مرفق جاري كلما ضبطت عبارة متلبسة بها.
    إبان الاستراحة، تنفسنا هواء الساحة المضمخ بأريج الزهر، وراح بعضنا ينفث دخان سيجارته، فيما بدأت التعليقات تتنامى. قال أحدنا: «هلا أصلحوا حالنا! فمعيشتنا سلف وتقسيط». وانعطف آخر إلى تناسل النقابات كالفطر وانزلاقها إلى حالة الموت السريري. وامتد الحديث إلى اكتظاظ الأقسام، فعلق أحدنا«لم أعد أعرف هل أنا داخل قسم أم داخل "كار" !»، وأضاف آخر: «يجدر بهم أن يحولوا الأقسام إلى مدرجات!». وإذ هممت بإثارة قضية انتشار تعاطي الحشيش و"القرقوبي" بين ...، نبهنا إلى الالتحاق بالقاعة لاستئناف الاجتماع.
    فتح باب النقاش، وشهر كل واحد منا لسانه، وخضنا جدالا حامي الوطيس، حتى غلى الدم في رؤوسنا، وأخذنا نتراشق بالكلمات، في آن واحد، فلم يعد أحد يعير أذنا لأحد.
    أفسحنا للصمت مكانا بيننا، حين دق سطح المكتب بقبضته دقات متتالية. قال، وهو يمسح العرق عن جبينه، إنها السادسة ونحن لم نرس بعد على بر. ولذلك فهو يقترح علينا، حتى لا نضيع مزيدا من الوقت، أن يسجل كل واحد منا وجهة نظره، وفق مبدأ«ما قل ودل». ثم سحب من ملف على يمينه ورقة بيضاء، دون أن ينتظر موافقتنا على اقتراحه، وناولني إياها.
    حدقت في بياض الورقة برهة، ولم يسعفني رأسي بأية فكرة، لكني وجدتني أكتب عبارة انبثقت من ذاكرتي فجأة:
    - كلها واشرب ماءها.
    سلمت الورقة إلى جاري، فعلت شفتيه ابتسامة ساخرة، وأضاف:
    - واسحق عظامها ومصها.
    طفقت الورقة تنتقل من يد لأخرى، حتى اكتملت بالإضافات:
    - وإن لم تعجبك تقيأها... إلخ.
    مليا قرأ ما كتبنا على الورقة. انقبضت ملامح وجهه.. عفوا قناعه. وحملق فينا غاضبا، وهم بأن...، لولا أنه تمالك نفسه، واستل ورقة ثانية وكتب عليها:
    - قديمة!
    تناقلنا الورقة بيننا، لنكتب على التوالي:
    - إذا كانت قديمة فكلها واشرب ماءها.
    - واسحق عظامها ومصها.
    - وإن لم تعجبك تقيأها.
    - وسجلها في شريط وأنصت إليها.
    - وألق بها إلى البحر حين تملها... إلخ.
    لم يغضب هذه المرة، بل غمرت قناعه سحابة التحدي، وكتب بسرعة في ورقة ثالثة:
    - كلوا هذه الثرثرة.
    فكتبنا واحدا تلو الآخر:
    - أكلناها وشربنا ماءها.
    - وسحقنا عظامها ومصصناها.
    - ولم تعجبنا فتقيأناها.
    - وسجلناها في شريط وأنصتنا إليها.
    - وألقينا بها إلى البحر حين مللناها.
    - والتقمها الحوت فشرب ماءها.
    - وسحق عظامها ومصها.
    - ولم تعجبه فتقيأها.
    - وسجلها في شريط وأنصت إليها.
    - وألقى بها إلى...
    مر بعينيه على ماكتبنا، رامشا بجفنيه، زاويا حاجبيه. ثم انفرجت شفتاه، وأغرق في الضحك. أمام صمتنا المذهول، راح يضحك حتى سقط القناع.
    وحين تمالك نفسه، انتصب واقفا، ثم التقط الورقة، كمّشها، و.. أكلها.

    ***

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يناير 23, 2017 1:32 am